الخميس، 17 أغسطس 2017

مجلة ملتقى الشعراء والأدباء // العقل العربي عقل اقصائي استئصالي// بقلم المتالق أديب السعدي

"العقل العربي عقل إقْصَائِي استئصالي!"
عِبَارة قرأتها في إحدى مجموعات الفيسبوك كتبها أحدُ أصدقائي الذين أعِزُ وأحترِم، غير أنها أثارت في نفسي مشاعر كثيرة جميعها تدور حول الرَّفْضِ لها واستنكارها؛ وردَّدتُ في نفسي المَثَلَ القائل "الجمل إذا وقع تَكثُر سكاكينه"، وما أكثَر ذبَّاحي الأمة العربية!
هذه العِبارة لا أقول فيها أَقَلَ مِنْ أنها عُنصرية شعوبية ظالمة مُتجنِّية تضرِبُ عُرض الحائط بحقائق التَّاريخ والجغرافيا، فالجِنس العربي صاحب العقل العربي استقر في قلب العالم القديم وبنى حضاراتٍ قبل التَّاريخ وليس قبل ميلاد السيِّد المسح عليه السَّلام، ومن لم يصدِّق ذلك ليرجع إلى الحضارات العربية في اليمن والجزيرة العربية وبلاد الشَّام وبلاد ما بين النهرين ومصر (حِقبة المُلوك وليس الفراعنة) وشمال أفريقيا، ولينظر إلى الكنعانيين والفينيقيين والأكاديين والبابليين.
داهمت صاحبَ هذا العقل غزوات كثيرة قَبْلَ الإسلامِ - من يونان وفرس وفراعنة ورومان -  تحاول اقتلاعه من أرضة بل واستئصالة، ولكنها فشلَت وعادت إلى بلادها تحمل تأثيرات هذا العقل وحضارته فعمَّرت بلدانها وأقامت حضارات فيها.
ثم جاء الإسلام على رجل من العرب بكتاب يتحدَّثُ بلغتهم وكلَّفه ربُّه بإبلاغ الرِّسالة إلى النَّاس أجمعين، فانبرى لتلك المهمة الإلهية رجال من العرب ليكونوا صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم وحَمَلَةَ الرِّسالة، ولأنه عليه الصلاة والسلام ولأنهم رِضوان الله عليهم لم يكونوا أصحاب عقول منغلقة أو إقصائية أو استئصالية فقد أفسحوا المجال لعبد حبشي أسود البشرة كسواد الليل – بلال الحبشي- ولعبد رومي – صهيب الرومي- ولعبد فارسي –سلمان الفارسي- ليكونوا من بين كِبارهم، بل إن الرَّسول الكريم عليه الصلاة والسّلام نزل في موقعة مصيرية (غزوة الخندق) على رأي سلمان الفارسي بحفر الخندق حول المدينة المنوَّرة.
ثم جاءت الفتوحات الإسلامية، فخرج أصحاب هذا العقل العربي قادة لينشُرُوا الإسلام في أرجاء الدنيا، بفكر جديد فريد مِن نوعه عبَّر عنه ذلك الأعرابي صاحب العقل العربي –ربعي بن عامر رضي الله عنه- عندما خاطب رُستم قائلا: " إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام"
ففتح الصحابة رضي الله عنهم والتابعين البلاد ودخل في الإسلام من دخل، وبقي على أديانهم خلق كثير ولم يُجبَر الناس على ترك أديانهم، بل إن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه أمر أن يبقى أهل البلاد الأصليين في بلدانهم؛ وتم استيعابهم في الحضارة العربية الإسلامية التي أسهم فيها غيرُ العرب إسهاما كبيرا فكان منهم علماء اللغة (سيبويه) والحديث والسنَّة النبوية (البخاري) والطب (أبو بكر الررَّازي) والترجمة (أبو يعقوب حنين بن إسحق  - يهودي) والفلك (أبو حامد الأسطرلابي) والقائمة، والقادة: طارق بن زياد (من البربر) وصلاح الدين الأيوبي (كردي) و والملك المظفَّر قطز والظاهر بيبرس (مماليك).
أفبعد كل هذا يأتي من يقول إن العقل العربي عقل إقصائي استئصالي!!!!؟

نُشِرت في صحيفة ‏الإسراء نيوز  Al-Israa News، الأربعاء  الموافق 16/8/2017م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق